النويري
227
نهاية الأرب في فنون الأدب
رجاء ثواب معدّ لمن أخلص للَّه عمله ، وسلَّم لعلمه ومشيئته ، وأمره ونهيه ؛ على أنى ما علمت أن التظاهر علىّ واقع ، ولى عن الحقّ الذي سبق لي دافع ، وإذ قد أفعم الوادي بي ، وحشد النادي من أجلى ، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين وسرّنى ، وفى النفس كلام لولا سابق عقد ، وسالف عهد ، لشفيت نفسي بخنصرى وبنصرى ، وخضت لجته بأخمصى ومفرقى ، ولكني ملجم إلى أن ألقى ربّى ، وعنده أحتسب ما نزل « 1 » بي ، وإني غاد إلى جماعتكم ، مبايع لصاحبكم ، صابر على ما ساءنى وسرّكم ، « ليقضى اللَّه أمرا كان مفعولا » . قال أبو عبيدة : فعدت إلى أبى بكر رضى اللَّه عنه ، فقصصت القول على غرّه « 2 » ، ولم أختزل شيئا من حلوه ومرّه ، وبكَّرت غدوة إلى المسجد ، فلما كان صباح يومئذ إذا علىّ يخترق الجماعة إلى أبى بكر رضى اللَّه عنهما ، فبايعه ، وقال خيرا ، ووصف جميلا ، وجلس زميّتا « 3 » ، واستأذن للقيام فمضى ، وتبعه عمر مكرما له ، مستثيرا لما عنده ، فقال علىّ رضى اللَّه عنه : ما قعدت عن صاحبكم كارها له ، ولا أتيته فرقا ، ولا أقول ما أقول تعلَّة ، وإنّى لأعرف منتهى طرفي ، ومحطَّ قدمي ، ومنزع قوسي ، وموقع سهمى ، ولكن قد أزمت على فأسى « 4 » ثقة بربّى في الدنيا والآخرة . فقال له عمر رضى اللَّه عنهما : كفكف غربك ، واستوقف سربك ؛ ودع العصا بلحائها ، والدّلاء على رشائها ، فإنّا من خلفها وورائها ؛ إن قدحنا أورينا ، وإن
--> « 1 » كذا في صبح الأعشى ؛ وفى الأصل : « ما ترك لي » . « 2 » على غره ، يريد : على أصله ؛ وأصل الغر : الكسر المتثنى في جلد أو ثوب ، يقال : اطو الثوب على غروره ، أي على مكاسره . « 3 » الزمّيت بتشديد الميم : الوقور ، وبابه كرم . « 4 » يقال : أزم الفرس على فأس اللجام ، أي عض وأمسك ؛ يريد أنه كتم ما في نفسه من الشكوى ، ولم يبح بما يعانيه من الألم .